أحمد بن محمد ابن عربشاه

498

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

عواصف الذبول ، ومسحت قوى عبالتك « 1 » بقواصف النحول ، وقد آن أن تغرس للآخرة ، فإنك قد صرت عظاما ناخرة . فقال : يا ملك الزمان وعادل الأوان ، قد تسلمناها عامرة فلا نسلمها غامرة ، قد غرسوا وأكلنا ونغرس ويأكلون ، وفي الحقيقة كلنا زارعون وغارسون : لقد غرسوا حتّى أكلنا وإننا * لنغرس حتى يأكل الناس بعدنا وأبعد فلّاح عن الرشد والفلاح ، من يتسلم المعمور ويتركه وهو بور . فأعجب أنوشروان وفور وعقل الشيخ الفان ، وحسن خطابه وسرعة جوابه ، فقال : زه ؛ يعنى أحسنت ، وهي كلمة تحسين ، ولفظة إعجاب وتزيين ، وكانت علامة للإحسان إذا تلفظ بها السلطان ، يعطى المقول في حقه أربعة آلاف درهم لرفقه ، فأعطوا الشيخ الهم « 2 » ، أربعة آلاف درهم . فقال : أيها السلطان إن الغراس يثمر بعد زمان ، وإن غراسى لحسن طاعته أثمر من ساعته ، فقال : زه ، فأعطوه أربعة آلاف أخرى ، ورفعوا منزلته قدرا . فقال : وأعجب من هاتين القضيتين أن الغراس يثمر مرة وأنا غراسى يثمر مرتين ، فقال : زه ، فأعطوه القدر المعلوم ، وزادوه في التكريم والتعظيم والتفخيم . وقال له أنوشروان : إن امهلك الزمان حتى تأتيني بباكورة هذا البستان فأنا أقطعك خراجه وأقضى مالك من حاجة ، فامهله الدهر وطال به العمر ، وأدرك ما نصبه ولم يخيب الله تعبه ، فحمل إلى الملك الباكورة ووفى له الملك نذوره .

--> ( 1 ) العبالة : ضخامة اللحم واكتنازه . ( 2 ) العليل .